هلا نيوز – عمان
في العصر الرقمي، أصبح التصوير جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، سواء في المناسبات السعيدة أو اللحظات المؤلمة. فقد بات من الطبيعي أن نرى الهواتف مرفوعة في كل مكان، سواء في حفلات الزفاف أو الجنازات، في المطاعم أو حتى في مواقع الحوادث. لكن هل هذا السلوك مبرر دائمًا؟ أم أنه تجاوز للحدود وانتهاك لخصوصية الآخرين؟
أثر التصوير على القيم الاجتماعية
لم يعد التصوير مجرد وسيلة لحفظ الذكريات، بل أصبح أحيانًا وسيلة للاستعراض والمبالغة في مشاركة تفاصيل الحياة اليومية. في الماضي، كانت الصور تحتفظ داخل ألبومات شخصية، أما اليوم فهي تُنشر على منصات التواصل الاجتماعي فور التقاطها، لتصل إلى جمهور واسع قد لا يكون معنيًا بها.
هناك جوانب إيجابية لهذا التطور، مثل مشاركة اللحظات الجميلة مع الأصدقاء والعائلة، أو توثيق الأحداث المهمة في الحياة. ومع ذلك، فإن الاستخدام غير المسؤول للتصوير قد يؤدي إلى نتائج سلبية، خاصة عندما يصبح الأمر تعديًا على خصوصية الآخرين أو استغلالًا للمواقف الحساسة.
تصوير الحوادث والمآسي: انتهاك لكرامة الإنسان
من أكثر الظواهر السلبية المرتبطة بالتصوير، هو توثيق الحوادث والكوارث دون مراعاة لمشاعر الضحايا وذويهم. فعند وقوع حادث سير، بدلًا من تقديم المساعدة أو الاتصال بالإسعاف، نجد البعض منشغلًا بالتقاط الصور ونشرها على الإنترنت. هذا التصرف لا يضيف أي قيمة سوى إثارة الجدل وتحقيق مشاهدات على حساب معاناة الآخرين.
إن تصوير الأشخاص في لحظاتهم الضعيفة، مثل ضحايا الحوادث أو المرضى في المستشفيات، ليس فقط غير أخلاقي، بل قد يكون مخالفًا للقانون في بعض الدول التي تجرّم نشر صور الأفراد دون إذنهم، خاصة في الحالات التي تمس كرامتهم.
ظاهرة تصوير الطعام: بين الاستمتاع والاستفزاز
انتشرت في السنوات الأخيرة عادة تصوير الطعام قبل تناوله، سواء في المطاعم الفاخرة أو المنازل. وعلى الرغم من أن هذا السلوك يبدو بريئًا، إلا أنه قد يكون مستفزًا للبعض، خاصة في ظل انتشار الفقر والجوع في العديد من المجتمعات. فليس كل شخص يستطيع تناول وجبة فاخرة، وعرض صور الأطعمة الغالية قد يعكس نوعًا من التباهي غير المبرر.
هذا لا يعني أن تصوير الطعام أمر خاطئ تمامًا، لكنه يتطلب وعيًا بزمان ومكان النشر، حتى لا يتحول إلى وسيلة لإثارة المشاعر السلبية لدى الآخرين.
أين يجب أن نضع الحدود؟
التوازن هو الحل الأمثل في كل شيء، فالتصوير ليس مشكلة بحد ذاته، ولكن الطريقة التي نستخدمه بها قد تجعل منه سلوكًا إيجابيًا أو سلبيًا. هناك بعض المبادئ التي يجب أن نأخذها بعين الاعتبار عند التصوير:
احترام خصوصية الآخرين: لا يجب تصوير الأشخاص دون إذنهم، خاصة في الأماكن العامة أو أثناء الأزمات.
عدم استغلال المواقف المؤلمة: الحوادث، الجنازات، والحالات الإنسانية ليست محتوى للنشر والتفاعل، بل لحظات تحتاج إلى التعاطف والمساندة.
الانتباه لما ننشره: ليس كل ما نصوره يجب أن يُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي، فالبعض قد يراه استفزازيًا أو غير مناسب.
استخدام التصوير لأغراض مفيدة: بدلاً من التصوير لمجرد الاستعراض، يمكن استخدامه لنشر الوعي حول قضايا هامة أو توثيق لحظات ذات قيمة.
التكنولوجيا منحتنا القدرة على توثيق كل لحظة، لكن ذلك لا يعني أن كل لحظة تستحق أن تُوثّق. علينا أن نكون أكثر وعيًا بتأثير أفعالنا، وأن نمارس التصوير بحدود تحترم مشاعر الآخرين وخصوصيتهم. فبدلًا من أن يصبح التصوير وسيلة لإثارة الجدل أو التباهي، يمكن أن يكون أداة لنشر الإيجابية وتعزيز القيم الإنسانية في المجتمع.
د. احمد الهباهية